صفحات المدوّنة

بحث هذه المدونة الإلكترونية

الخميس، يونيو 16، 2011

مشهد

حائراً، وقفت -بين هذه الجموع الكبيرة- في محاولة صَعبة لفهم ما يحدُث؛ الكُل جرى فزِعاً في كل اتجاه، والبراكين اقتربت منّا -كموجة فيضان عملاقة- بسرعة مخيفة. أحدُهم أشار إلى آخر بيده فحَملَهُ، ثم اتجه إليهما آخرون؛ وتكتّلوا فوق بعضهم البعض بخفة، مكوّنين جسداً ضخماً سقَط منه أحدُهم أثناء سيره إلى الأمام -في ثبات- وعبوره إلى الجهة الأخرى. اتجهت إلى أحد المجموعات لأندمج معهم؛ فأسقطني شريط من الأحداث مرّ أمامي بسرعة خاطفة حَمل كل مشاهد الإثم التي أصررت على ارتكابها، حاولت مرة والثانية، والثالثة، لكنني لم أنجح في الاندماج معهم جميعاً بسبب وزني الثقيل. شظية من نار طارت في الهواء باتجاهي، حاولت تجنبها وأنا أجري مبتعداً، غير أنها اخترقت سترتي من الخلف، انطلقت أسرَع، لكنّ الألم -الذي لا يُطاق- ألقاني على الأرض قبل أن يحترق ظهري بفِعل كابوس !.

محمد عمر
يونيو 2011

الأربعاء، أبريل 06، 2011

سراب


سأل أحدُهم شيخَه : كيف نحدّد القبلة يا مولانا في الصحراء؟ . فردّ قائلاً : انتظر حتى يشتدّ بك الظمأ، فإذا رأيت ماءاً، اعط له ظهرك وصلّ. والله تعالى أعلى وأعلم.

محمد عمر
إبريل 2011

الأحد، أبريل 03، 2011

حزن

أحزن؛ أي أعيد تقسيم قَدَر الحُزن على كل الناس، أخفّف على أحدهم بعضاً مما كُتِبَ له من الألم؛ وفي تخفيف الألم راحة، وفَرْح. والفرْح قَدَر .ـ

بحزني أمنح أناساً لا أعرفهم قَدَراً يرسُم ابتسامة بدون تكلّف، أو يجعل ضحكة ما على غير عادتها. إننا مَعشَر البشر كطفلين يجلس كل منهما أمام كرّاسة رسم، وعلى الطاولة مجموعة واحدة من الألوان؛ يستعمل أحدهم الرمادي والأسود والبُنّي، فلا يتبقّى للآخر سوى الأحمر والأخضر والأزرق.

محمد عمر
إبريل 2011

السبت، مارس 26، 2011

نغم

ليلة انحنى فيها النور المُسَافر. النقط المتناثرة رسمت وردة، فابتسامة. تلوّن الليل بلون وجدانِك، ونغمٌ طار راقصاً من أحد الشرفات النائمة تحت الظلال. سرى الخِدر بكل خلاياي، فهززت رأسي كالمجانين، وتركت الهواء البارد يحملني كورقة دقيقة السُمك. هنا، فوق الرمال، تقلصت المسافات بيننا، وتحررنا –سويّاً- من قوانين الحياة. أصبحنا –كالعُشّاق- قتلى !

محمد عمر
مارس 2011

الخميس، مارس 24، 2011

بحر

إننا –معشر البشر- حالة غريبة يمتزج فيه الخوف بالشغف، والأمل بالاستسلام. أحكي لك يا ولدي يوم أن دفعتني الحياة للذهاب إليه، وقتها كنت أبحث -شارد الذهن- عن حجر واحدٍ مناسب، لكنني اكتشفت أن يدي قد امتلأت بمجموعة متباينة الأحجام والأشكال، قبل أن تحملني الصخور فوق أكتافها وتعود لوقفتها الثابتة في مواجهة ضربات الموج الثائر. ترحل الأخيرة، لتترك على خديها جراحاً بيضاء تذهب جفاءً مع الضربة التالية. ثم إنني كنت أرمي في البحر الحجر تلو الآخر، لتستقر أيام من الماضي الواحدة تلو الأخرى في قاع الذكرى . أعرف أن البحر، لا يشيخ، ولا ينسى، تماماً كالذاكرة، لا تعرف الموت . ظننت أنني انتهيت، لكنني عندما هممت بالرحيل، وقعت عيناي على تلك الفتاة التي ظهر منها رأسها، وشعرها المبتل والمنسدل فوق كتفيها، وهي تجدّف بحرص وصعوبة. أتابعها وهي تحاول أن تتمالك أعصابها رغم التخوّف المُبرّر من أسماك القرش التي قد تهاجمها في أي لحظة، فالأخيرة لا تعبأ بالأحجار، لكنها تلتهم لحوم البشر الطريّة. حاول دفأها أن يدفع البرد الذي تسرّب بداخلها، وأن ينظّم أنفاسها بين الشهيق والزفير، في نفس الوقت الذي تتشبّث فيه بعوّامتها الصغيرة، لتنفذ تعليمات والدها في فن السباحة، الذي وقف على الشاطيء، ينظر، يترقب، ويبادلني النظرات.

محمد عمر
مارس 2011

السبت، نوفمبر 13، 2010

بعيداً

أُطفيء الأباجورة، وأدفن رأسي داخل المِخدّة . أرخي جسدي على السرير ، أرهف سمعي لصوت البَرد المُندفع من مكيّف الهواء ؛ وأقف وحدي أمام بوابة الرحلات المغادرة !ـ

أصوات تأتي من بعيد ، قطار يجري بلا توقف ، وفوضى من الأفكار المتضاربة تملأ النفق الممتد على مرمى البصر . عالمٌ ينشأ فجأة من العدم ، كل شيء كبير الحجم، وأنا هنا صغير ، ضعيف ، ومستسلم .ـ

أفتح عيني وأتأمل الغرفة التي أعرفها أكثر من أي شخص في العالم ، لأكتشف أنّي في أكثر مناطق الكون غموضاً ! الدولاب يتحوّل إلى مُقاتل ضخم من مقاتلي العصور القديمة ويتهيأ ليقسِمني إلى نصفين بحربة كبيرة حادة ، والكرسي والمنضدة ، وكل ما في الغرفة ، أموات خرجوا من قبورهم ، يتقدمون نحوي بأيديهم التي تمتد والملطخة بالسواد لتطبق على رقبتي ، والسرير يضمني بذراعيه المفتولين بقسوة ويضغط على ضلوعي بعنف . أكاد أختنق ، أكاد لا أسمع إلا صدى الأنفاس في بقايا أوردتي التي تنزف في برود .


لا أعلم ماذا يحدث بعد ذلك ، وكيف أنجُ كل مرة من فيلم الرعب هذا ؟ .

ما أذكره أني أفزع عندما تدق السابعة صباحاً كالعادة . أبحث عن الحربة خلف الدولاب فلا أجد شيئاً ، أضرب الكرسي برجلي ، أتلفت حولي ، وأتأمل السرير قليلاً . كل شيء كما هو ، لا يرى لا يسمع لا يتكلم . يرّن المنبّه مرة أخرى، فأصبّ كامل حنقي عليه.


يمر اليوم .. كأي يوم ، وبين الحين والآخر تظهر مجموعة من الوَمضات سريعاً ثم تختفي . صور خيالية لعالم متمرد لا يعترف بقوانيننا ، أسطورة ليلية أنا بطلها الوحيد ، أتغلب فيها على كل شيء ، أشعر معها بالنشوة ، وأُجهِدُ الذاكرة لأسترجع دقيقة واحدة منها كل صباح ، لكن بلا فائدة .. سأطفئ الأباجورة .


ـ ( ثمة شيء يتحرك ! )ـ



محمد عمر

نوفمبر 2010

الجمعة، نوفمبر 05، 2010

فاضي

عندما يأتي منتصف الليل ، ويغلق صاحب المحل باب الدكان ؛ تبدأ مأساة كل ليلة !، -يتساءل : “هل من العدل أن تضعه الأقدار بجوار هؤلاء الحثالة الرمم؟ “. ولمّا يَجهد العقل، وتتفق جميع الأسئلة على نفس الإجابة من اللاشيء؛ يدخُل في دوامة الاكتئاب الملازمة لقرف الوحدة ومرارة العيش. يأتي الصباح، يُفتح الدكان، ويذوب كل شيء في مشاغل العمل وزحمة الزبائن.ـ

أناقته وشياكته أهم ما فيه. تلك الميزة التي أضفت عليه أمام زبائن الدكان مزيداً من الأبهة والعنجهية، هي نفسها أكبر مصدر إزعاج في حياته!، فتلك الأيادي التي تتناوله برفق، وتلك العيون -التي تتطلع جماله وتنبهر بسمته- تتجاهله بعد فترة، وتُنسي نفسها أنها رأته.ـ

أخيراً ظهر من يقدر قيمته، ذلك الرجل ذو الجاكتة البُنيّة والنظارة الشمسية الأنيقة، ليس ثرياً بالقدر الكبير، لكن تبدو عليه النعمة .

ـ(نورّت المحل يا بيه ، أي خدمة).

يأتي الرد بعد برهة: (بكم هذا القلم ؟)


يبلع البائع ريقه ، ثم يقول في أدب مصطنع :ـ

(ذوق حضرتك يا بيه عالي جداً ، إنه أغلى قلم عندي !ـ)

ـ(فعلاً ؟ ، ليس بطّالاً ، لكنه أشيك وأجمل قلم رأيته عندك ..).ـ

يسرح الرجل فيه للحظة ثم يتابع:ـ (سأشتريه .. لكن، هل بإمكاني تجربة خطه أولاً ؟ )ـ

يبتسم البائع لهذه الإستفتاحة ويبحث بيديه الملهوفة في المكتب أمامه عن أي ورقة تصلح للتجربة .. (تفضل يا بيه . جربه على الورقة هذي ) هكذا قال البائع متلهفاً، ليجعل يومي أسوأ يوم في حياتي!ـ

فما حدث أن تجاعيد وجه الرجل إنقلبت فوق بعضها البعض ، وعلا صوته قائلاً في غضب: (ما هذا ؟ ، هل تهزأ بي يا رجل ؟ تبيع لي قلم فاضي ؟؟!). فارتبك البائع وبحثت حروفه عن أي طوق نجاة ، ثم رد في استكانة:ـ

(لم أقصد يا بيه والله ، لم أجربه عندما اشتريته ، منهم لله الغشاشين .. منهم لله الغشاشين!ـ)

فقاطعه الرجل مشوحاً بيده:ـ

(أعطني آخر إذن ..ـ )

بلع البائع ريقه بصعوبة عندما قال : (للأسف يا بيه .. لا يوجد غيره . عامةً ليس منه فائدة ، سأرميه وعوضي على الله . أنا آسف يا بيه). نظر له الرجل نظرة متعالية، ورماني على طاولة المكتب من ارتفاع عالٍ فكاد أن ينكسر ظهري قبل أن يرحل ذلك الوغد !.ـ


النظرات الشامتة والضحكات المكتومة التي ملأت رفوف المكتبة تلك الليلة من هؤلاء الحمقى لا أستطيع تحملها بعد أن عرفوا أنّي فاضي. فالمسطرة الطويلة الرخيمة تشير إليّ من بعيد ولم تتوقف عن الضحك طيلة الليل . وبعض الأقلام الرصاص جلست سوياً تطلق عليّ مجموعة من النكات وتضحك بصوت مجلجل. حتى الكراسة العجوزة التي ملأ صدرها التراب كانت تكح ، وتقول: (ألم أقل لكم ، انه أقل مما يوحي به مظهره الخادع) ، ثم تكح.ـ



ـ ( ما هذه اللعنة التي حلّت بي ؟)ـ

تمتم بنبرة حزينة، ناقمة، ومكتومة: ـ

ـ(لا فائدة منكم ، سأنتحر ! )ـ

محمد عمر
نوفمبر 2010

ShareThis