صفحات المدوّنة

بحث هذه المدونة الإلكترونية

الأحد، يناير 05، 2014

سيدي البطرني

تحب أن تراني أزورها وأسلم عليها، كما تحب أن يزروها أبنائها وبناتها كل أسبوع وألا ينقطع عنها أحد، رغم ذلك، تحب ابنها محمد أكثر من أي شيء في الدنيا، ابنها محمد لا يزورها أبداً، فقط يتصل بها في الشهر مرة أو مرتين ويعدها بأن يأتي، لكنه لا يأتي.ـ

-          " الله، ايه ريحة البخور الحلوة ديه يا أمي؟"
-          " ديه بركة سيدي البطرني يابني"

أميل بوجهي ناحية خطيبتي وأسألها (مين سيدي البطرني ده؟)، فتزغر لي بعينها كي لا أسترسل في الكلام، وأنهي هذه الفقرة سريعاً، فقرة الحاجة حسينة، أم الحاجة فاطمة، حماتي. كل أسبوع، ومع زيارتي لخطيبتي، يذهب كلانا لها مع حماتي، نجلس خمس دقائق على الأكثر كي أسلم عليها، ثم نتركها وحماتي ونتمشى قليلاً إلى صخرة كبيرة على شاطيء البحر بين مجموعة من البنايات القديمة. البحر مظلم موحش، لكن الشارع بسيارات النقل الكبيرة التي تمر به، الإنارة البرتقالية التي تأتي من عمدان نور عمرها من عمر أجدادي، والمحلات والورش التي يجلس أصحابها أمامها في كراسي بلاستيك يتناولون الشيشة أو سيرة الناس والبلد تضيف جو ونس فوق الونس الذي يشعر به كلانا مع الآخر في تلك اللحظات الجميلة، التي نترك فيها ظهرنا للعالم كله، ونحدّق في الفراغ، ننظر إلى بعضنا البعض، نبتسم، ثم نعود ونطيل في التحديق، والصمت.ـ

-          "مين سيدي البطرني ده؟"
-          "ده ولي من أولياء الله، كان ليه مقام ف بحري، أيام ماكانت تيتة عايشة هناك"
-          "ولي ايه بس، ومقام ايه، انتي بتصدقي ف الحاجات ديه؟"
-          "لا طبعاً، بس أقولك، ماما حكتلي عن إن المقام ده حتة أرض بين العمارات، أرض واسعة يعني، وعليها باب .."
-          "مش جامع يعني و .."
-          " بطل بتقاطعني .. أكمل الأول .. الأرض الواسعة ديه كان في واحد عايز يهد الباب اللي عليها ده فجاب جرار والناس اتلمت، أم ايه؟ .. ايده اتشلت"
-          "لا والله!"
-          "اه والله، زي ما بقولك كدة، ايده اتشلت، وأهله أصلاً أغنيا يعني، سفروه برة عشان يتعالج ولا أي نتيجة"
-          "امم، طيب م ممكن يكون لأي سبب تاني يعني"
-          "يعني السبب مش لاقي مكان ولا وقت غير عند مقام الراجل! .. المهم .. الناس بقى هللت .. وعملوه من يومها مقام"
-          "وايه حكاية البخور ديه؟"
-          "معرفش، بس تيتة عندها واحة صاحبتها على طول تتصل بيها، وتحكيلها انها شافتها ف المنام وهي قاعدة مع سيدي البطرني، فهي بتحبه وبتتبارك بيه"
-          "وصاحبتها ديه ايه؟"
-          "عادي، واحدة عادية، أبوها كان إمام جامع، بس هي زينا يعني"


الحاجة حسينة –ما شاء الله- ربنا مبارك لها في عمرها، زوجها مات، وإثنين من أولادها ماتوا، وأنا تزوّجت من حفيدتها، ويبدو بهذه الطريقة أنها سترى أولاد أحفادها، وهي صحتها أجمد منّا جميعاً، حتى الحاج أحمد صبيح المؤذن، والذي يقاربها في العمر، مات هو الآخر، الله يرحمه ويحسن إليه، كان كل جمعة يبخّر المسجد الذي أصلّي فيه قبل أن أذهب إلى خطيبتي من الصباح الباكر ويجعل رائحته ترّد الروح، وبعد الصلاة يبخّر شقته، كان مركّب شفّاط كبير في مطبخ الشقة؛ فكان يأخذ البخور وينقله إلى الشقة الملاصقة له. ألف رحمة ونور عليه.ـ



كتبها:ـ
محمد عمر
أكتوبر - 2013

الخميس، أكتوبر 03، 2013

دعوة زفاف

-         ما لكِ يا بنتِ؟
-         لا شيء.
-         ماذا تحملين في يدك؟
-         اكتشفي بنفسك.
يرّن جرس الهاتف ..

-         ألو، سلمى، حمداً لله على سلامتك، أيوة يا بنتي أسمعكِ، متى رجعتي؟، فيكي الخير والله .. أنا؟، الحمد لله وأنتِ؟. أتيتي في وقتك .. إيه؟ .. أحكي لك، إسمعي، إسمعي:
"الولّية الهابلة قطعت كل تلك المسافة، وصعدت إحدى عشر دوراً كي تعطيني "دعوة" لحضور زفاف ابنها ثم رحلت. ابنها الصايع ابن الصايع. كان قد تقدّم لخطبتي منذ شهور، اه والله .. أمين، إسمه أمين، لم أحكي لكِ، ما انتي كنتي مسافرة يا بنتي .. لا لم لم أوافق عليه رغم محاولات أمي وخالاتي لقبوله، هم يعلمون جيداً أنني حتى لو قبلته لن تستمر خطبتنا لثلاثة شهور على بعضهم، حكايته وحكاية أمه الحي كله يعرفها. لماذا؟ ، أنا سأقول لكِ: وجهة نظرهم يا ستي أن الخطبة ستفكّ النحس، خطوبة مفسوخة خير من وقف الحال هذا، إثنين وثلاثين عاماً، ولم يتقدّم لي أحد .. طبعاً تفكير متخلف .. وبلد متخلفة .. أنا لست متضايقة مثلهم .. لكنني لن أتحمل هذا الضغط كثيراً .. لماذا لا يلتفتون إلى حياتهم وحياة أخواتي الإثنين .. عندهم مشاكل الدنيا كلها مع أزواجهم وأهالي أزواجهم .. لماذا لا يتركوني في حالي لا أعلم .. المهم نرجع لأم أمين .. "

-         يا سارة
-         ثواني يا أمي، أتكلم مع سلمى ..
"معي يا سلمى، فاضية أم أحكي لكِ في وقت آخر؟ .. هاصدعك لكن اعذريني، أنا مفقوعة! .. أم أمين كانت متزوجة من الحاج أحمد صاحب المخبز أول الحي، مشكلتها معه أنه كان لا يصلي، حاولت أن تنصحه كثيراً لكن بلا فائدة، طلبت الطلاق، طلقها، رجعت لبيت أهلها، أخذت ابنها معها، أشاروا عليها بالشيخ رؤوف، إمام مسجد الرحمن الرحيم، زوجة ثانية، لا يهم، المهم إنه ابن حلال مصفّي، ويصلي، سيحمل من عليها همّ تربية أمين، أمين بقى يا ستي، طلع لأبيه، كانت تناديه كي يصلي معها، فيجيب من داخل غرفته: (الله أكبر)، أربع سنين، وأمين يعمل الطفل الوديع أمام أمه، وفي الشارع حشّاش وصايع. الشارع كله بدأ يتكلم عن صياعة ابن الشيخ رؤوف، والمشايخ ضغطوا عليه، كانوا ثلاثة أيام سواد علينا في البيت لما أم أمين باتت عندنا بعدما الشيخ رؤوف تعارك معها، ورمى عليها يمين طلاق ثلاثة، الأيام دارت ورجعت للحاج أحمد، في يوم نادت على الولد الذي قال (الله أكبر) ثم دخلت الغرفة، فوجدته نائم على السرير ويقول: (الله أكبر، سمع الله لمن حمده ..)، يومها الحي كله سمع صويتها ولطمها، أيقنت إن ابنها صايع ابن صايع، ليلتها أغمي عليها، وباتت في المستوصف، جميعنا قلنا أنها لن تنجو، ولو نجت، فلن يبيت أمين في البيت. ومرت الأيام .. والولد تزداد حالته سوءاً، أنا أعرف ذلك دوناً عن الجميع لأن زميلتي تعمل بالصيدلية التي تجاورنا، وزميلها مظبّط أمين ترامادول، لكنها تتكتم على ما يفعله زميلها حتى لا يطرده صاحب الصيدلية، الدكتور عبد الله، في الحقيقة زميلها وعدها بالزواج، وهي تمنّي نفسها بأي أحد حتى تخلص من أهلها الذين يكبلون حريتها بغباء"

-         يا سارة
-         حاضر يا أمي
-         طيب سلمى، سأذهب الآن وأكلمك بعد قليل، أو كلميني عندما تستريحي من السفر، دعوة الزفاف؟، اه، ما أمه عاشت، وتعايشت، وبحثت له في الحي كله عن عروسة، كنت منهم، إلى أن وجدت له عروسة من بحري، سنكوحة مثله، واتخطبا لستة أشهر، استعجلوا الزواج، والفرح يوم الخميس القادم، وأمه تحسب أنها تغيظني بالدعوة، عالم متخلفة! .. عامةً حمداً لله على سلامتك، سلام.

سارة أسرعت إلى المطبخ، أمام الغرفة، في الطرقة الممتدة، على الأرض، كانت الدعوة. أمسكت بها، تأملت النقش الأصفر قبل أن تقطعها إلى نصفين، والنصفين إلى نصفين، حولتهم إلى كومة من القصاقيص الصغيرة، إثنين وثلاثين قصيصة، كومّتهم داخل يدها وهي تجزّ على أسنانها، كادت أن تكسرهم جميعاً ..

-         سارة

-         أيوة يا أمي، أيوة. 


كتبها:
محمد عمر
أكتوبر 2013

الجمعة، مايو 03، 2013

تراويح


انتهينا من الإفطار سريعاً، ثم جلسنا بالشرفة نشرب الشاي بالنعناع. هي مناسبة بدءت منذ خمس سنين، لا أستطيع الفرار منها، لقرب صديقي عزّت من قلبي. الشرفة صغيرة ، بالكاد تتسع إلى شخصين، وفي وجودي، تتسع إلى ثلاثة أشخاص، أنا وعزّت وزوجته. هي تعدّ طبق البامية الذي أحبه ، كما يقول الكتاب، وأنا لا أستطيع مقاومة تلك الغواية، كما أنني بالكاد أجيد عمل كوب شاي، مع بعض الأعراض الجانبية؛ كإحراق البّراد، استعمال الملح سهواً بديلاً عن السكّر ، نسيان أنه ليس بالبيت شاي أصلاً بعد سكب الماء المغلّي بالكوب.

الشرفة تطل على مسجد "عباد الرحمن" ، هه ، زمن ، من قال أن الحال يتغير؟. قبل زيارتي لتلك الشرفة أوّل مرة بعشرين سنة ، كنت هنا ، أصلّي مع أبي التراويح ، وكان أبي يؤّم المصلّين للمرة الأولى والأخيرة.
كانا صفّين على الأكثر في العشر الأوَل، ثم سبعة أشخاص منهم أنا وأبي وعمّ سعد المؤذن بقية الشهر ، وكنت كلما وقفت خلف أبي ، أشار عمّ سعد إليّ ، يدفع جسدي الصغير بكلتا يديه برفقٍ اختلط مع ابتسامة جميلة وتبريقة مخيفة لأتوّجه إلى الخلف. يقول عمّ سعد أن الصغار يجب أن يتركوا للكبار الفرصة كي يتقدموا الصفوف. الكبار كانوا يأتون متأخرين يا عمّ سعد، لكنني كنت أخشاه، وأخشى أن يؤنبني أبي على ذلك.

أبي ليس من ذوي الصوت الجميل، لكنه يقرء بهدوءٍ ووقار يحمل في كينونته خشوعاً بسيطاً مميزاً، يجعلني أركّز في الصلاة. لم يكن هذا الخشوع هو الذي حمل عمّ سعد على تقديم أبي إلى الإمامة، لكنه لاحظ مظهره، وانتهز فرصة دخول أبي المرحاض، فأشار إليّ، وسألني لمّا اقتربت "هو بابا بيشتغل إيه يا حبيبي؟"، قلت: "دكتور أسنان".

ما أذكره على وجه التحديد كيف كان الناس يحتفون بي، ويقبل الواحد منهم بين الركعتين قائلاً: "ربنا يفتح عليك يابني"، ثم يرمق عمّ سعد بنظرة غاضبة، وينصرف. أمّي كانت تنهرني بشدّة لما أفعله. وماذا فعلت؟، كان أبي يخطيء في القراءة، وكنت قد بدأت وقتها دروس التجويد على يدّ عزّت، "الدكتور اللي من الأزهر"، هكذا كان لقبه. لهذا دقّقت في المدّ، الغنّة، علامات الكسر والرفع والنصب، فلا يختلط المعنى ويخرج عن مراد الله. لكنني كنت أشعر بلذة خفية كلما احتفى بي أحد، ونظر إليّ في إعجاب.

الأمر تحوّل إلى معركة، كنت أركّز لا في الصلاة، بل في الخطأ الذي سيقع فيه أبي، حتى أرفع صوتي بالصواب، فيعيد أبي القراءة، عمّ سعد كان يشير إليّ لأقف بجواره، ويربت على كتفي، بينما تنهرني أمي بالليل، وتقول: "عيب يا أحمد، أبوك بيتضايق، كدة هايقولوا هوّ اللي طفّش الناس من الجامع"، لم أقتنع بكلام أمّي. الناس كانوا لا يطيقون الصلاة الطويلة ، لهذا كانوا يبحثون عن مساجد أو زوايا أخرى تنهي التراويح مبكراً. لم أتبادل مع أبي الحديث في هذا الأمر. سألته ذات ليلة "هي الناس مش بتيجي التراويح ليه يا بابا"، ينظر إليّ ويبتسم، ولا يتكلّم، ويكمل الطريق إلى المسجد بخطىً تراعِ خطاي الصغيرة.

في تلك الليلة، انتظر أبي لحياءه المعتاد أن يشير إليه عمّ سعد، لكنّ الأخير نظر إلى يساره، "اتفضّل يا حاج توفيق". انتهت الصلاة أسرع من المعتاد، وأقبل المصّلون إلى المسجد في الليالي التي تلتها، الحاج توفيق كان سيء القراءة، سيء الصوت، سيء الرائحة، يقرأ الليلة كلّها بسورة البلد وقصار السور، فقدّت التركيز، ولم أقدر على تصويبه لكثرة ما أصاب الآيات من خطأ حتى في أبسط قواعد اللغة، بعد ليلتين، عدنا إلى المنزل، وفي الطريق نظرت إلى أبي الذي أسرع في سيره، لم أتبين ملامح وجهه، وأنا أحاول اللحاق به بصعوبة، نظرت إلى الخلف، كانت يافطة "عباد الرحمن" ، تصغر شيئاً، فشيئاً.




--

كتبها
محمد عمر
مايو - 2013   

الأحد، أبريل 28، 2013

مقابلة شخصية (الجزء الثاني والأخير)ـ

الجزء الأوّل:
https://whitea4.blogspot.com/b/post-preview?token=649TUT4BAAA.fZREqGUsQcuDwuz6v2-QmA.ynwt5hhQOlAQGX1p2u-FBw&postId=8291760610938001251&type=POST


بضعة سنتيمترات ، كان الإصطدام وشيكاً ، وكل ما خططت له كان سيضيع إلى الأبد ، لولا خطوة  واحدة ، فقط ، للخلف ، أنقذت الموقف من نتيجة مروّعة. بادلتها اعتذارا بارداً كمدينة لا تعبأ بساكنيها. أشارت إليّ ، بأنامل عارية تقف وسط شتاء سكندريّ كثيف ، بالانتظار قليلاً.
اقتربتُ من الباب بخطو تمساح أسترالي، الزخارف على الجزء الزجاجي منه كثيفة ، مع النظّارة ، تُشكّل عائقاً بصرياً في اكتشاف العالم الآخر. انفتح الباب بقوة لا تتناسب مع حجمها ، فتسمّرَت من اقترابي كلّ هذا الحدّ. كانت أقصر مني بشِبْر ، فلم تتبيّن شفتي السفلية التي هزتها رياحُ الشمال ، قبل أن تضمها العليا، تربت عليها بحنوّ ، تطمئنها ، تحثها على استكمال النيّة. مالت الفتاة على الباب تدفعه بظهرها وباطن يدها اليمنى مع خطوة للخلف ، وخطوتين ، ثم أشارت باليسرى مع انحناءة خفيفة برأسها للأمام:
-"اتفضّل يا فندم".
-"حدّ يتفضل في بيته برضه ؟ ".

**

المكتب في اتساعه، طوله أكبر من عرضه. على الحائط ، جهة اليسار ، ستُ لوحات تراصت رأسياً ، في صفيّن متباعدين. لكل صفٍ ثلاث لوحات ، وبينهما لوحتان أكبر ، تسكن كل منهما داخل تجويف مستطيل ، واحدةٌ أعلى من الأخرى. جميع اللوحات تحمل نفس الرسمة ؛ مربّعات سوداء اللون ، أطرها رمادية نحيفة ، وآخذة في الانقسام من داخلها إلى المالانهاية. جدار الحائط رماديّ باهت ، أَمْيَلُ إلى الأبيض. تتقاطع خطوط خلفيته على هيئة مربعات كبيرة ، وكلما تقاطع خطّان وضعت نقطة محفورة من أعلاه ، وأخرى من أسفله ، مكوّنة عل امتداد الحائط خطَّيْن متوازيين من النقاط المتراصة أعلى وأسفل الخطوط التي بها رسمت المربعات الكبيرة. الأرضية تحمل نفس تطريز الحائط ، غير أنها لا تحمل نقاط محفورة. استقر فوقها وعلى مقربة من الباب ، مقعدان فسيحان؛ قاعدتهما من زجاج على هيئة حوض سمك. يستقر في أعلاه تكوينٌ منبسط من الجلد المضغوط. أمامهما منضدة زجاجية بعرض المقعدين ، يليها كرسيّ مكتب يقف على عامود معدني يغلّف ثلثه الأوسط تبطينٌ من جلد سميك ، لونه كلون المقعدين. بأسفل العامود اتصال مع الأرجل المعدنية الأربعة، هي رفيعة، تأخذ شكل كفّ مفرودة الأنامل، تستقر فوق أربع عجلات. يطلّ الكرسيّ على مكتب خشبي عريض، تعلوه مجموعة من الملفات والأوراق بطريقة منمقة تؤكّد نمط الرجل الأرستقراطي ، والذي انشغل بجهاز الحاسوب الذي أمامه ، بهدوء مريب. طفى هيكلي النحيف فوق الكرسيّ، وتبادلنا نظرتين خاطفتين ، قبل أن يلتقط نسخة سيرتي الذاتية التي أمامه ، ويتصفحها.

**

-         "إزيك يااه .. صابر"
-         "أنا مش صابر"
-         "أومال حضرتك مين؟"
-         "أنا فريد"
-         "كل اللي بقابلهم بيقولوا كدة"
-         "وامتى تقول إني الشخص المناسب؟"
-         "في حاجات ممكن تبقى مناسبة لحاجات تانية .. بس الحاجات التانية مابتبقاش مناسبة ليها"
-         "والحلّ؟"
-         "انت ماتعرفش الحل؟"
-         "أومال أنا جاي هنا ليه؟".
انكسر زجاج الباب المزخرف على إثر ارتطام كرسيّ المكتب به ، كنت قد ركلته ووقفت أمامه فاتحاً طرفي البذلة، معلناً عن رطلين من المتفجرات احتلت صدري وبطني بالكامل، أشحت بيدي اليمنى لأعلى ممسكاً بزرّ التفجير.

-         "تختار ايه؟"
-         "وايه الخيارات المتاحة"
-         "يا أعيش ، يا ماشتغلش"
-         "ولما تمّوتني، هاتكون حليتها؟"
-         "على الأقل هاريّح الناس اللي برة من أمثالكم"
-         "الناس ديه مكانها برة ، عشان إنت جوّا"
أنهى عبارته الأخيرة، ثم قام من كرسيه، فارتفع المكتب العريض ، المقعدين. اللوحات الستّ تسبح في الفراغ ، الأوراق سبقت الجميع إلى السقف ، طرقٌ قادم اختلج بأصوات بشرية أتت من خارج الباب ، إيقاعه في تسارع ، وعلّو. أنا هنا، وحدي، لماذا أفترش الأرض بهذا الشكل ؟ ، بجواري زجاجة الرائحة ، غطاؤها مُلقى على امتداد بجوار الباب. الباب حديديّ ، زجاجه على هيئة مستطيل تملؤه وحدات مستطيلة أصغر ، متساوية. زعيقٌ اقترب من أذني، أنفاسه حارة ، رائحة العرق العفنة تشجّع على اتضاح الصورة. الوجه الذي يقابلني أكبر من المعتاد ، لا أتبين الملامح المختلطة ، يهزني بقوة ، يلطمني على خدي. جلدي رطب ، أغمض عيني بقوّة ، أغيب لسنة أو سنتين ، ثم أفتحهما على اتساع ، أخيراً .. مكونات الصورة تستقر في أماكنها المنطقية.

**

-         "المهم إنك بخير ، خلّص العصير ، والشركة في العمارة اللي جنبنا"
-         "شكراً على اللي عملته معايا ، أنا خلاص مابقتش عايز أروح هناك"
-         "طب هاتروح فين يا باشمهندس؟"
-         "مش لازم أعرف دلوقتي، بس هاعرف بعدين"
  


تمت.


كتبها: محمد عمر – إبريل 2013

الجمعة، أبريل 19، 2013

مقابلة شخصية (الجزء الأوّل)ـ

ثمانية عشر دوراً، العمارة أربعة وعشرون، وليست كما ظننت، وصعدت، ومعي عامل التوصيل (الديليفري)، تركني في منتصف المسافة، مما أعطى لي فرصة، انفراد، كي أضع بعضاً من العطر، لأتخلّص من خليّة عَرَق، تكونّت سراً أسفل إبطيّ. اتساع أخضر من الذهول، أمام انفتاح باب المصعد. لا أبواب زجاجية، لا أضواء بيضاء مبهرة، لا مشّاية حمراء مفروشة بالطول، لا وجود لعلامة مميّزة تحتلّ أبواب الدور، ربما الدور الأعلى؟، لا، إنه السطح، فكّرت في طرق باب شقة على يمين المصعد، ثم استشعرت سخف الموقف، تخيّلت رجلاً بفانلة حمّلات، كان قد أخذ أجازة من العمل للانفراد بزوجته، والأولاد في المدرسة، يرمقني بنظرة احتقار، أو طالب خمسة ابتدائي، سمين، سخيف، أطال النوم، فغاب عن دوامه اليومي، يلطم وجهي بالباب، على أقل تقدير، سيسّب لأميّ الدين.

نَزَلْت. صوت المصعد أنبأ بسقوط مُحَقّق، هل ينتهي بي الحال في مصعد ليس به مرآة زجاج واحدة توّحد الله، صوتٌ قادم من اللاوجود –لزوم التديّن- "سبحان الذي سخّر لنا هذا .. "، لماذا لم يكلّفوا أنفسهم عناء البحث عن صوتِ آخر غير هذا، "إن الله جميل يحبّ الجمال"، وليس عِرسة مخنوقة تعاني مغصاً قولونياً فشلت المسكّنات في إلجامه. نهاية بائسة لشاب ثلاثيني لا يجد وظيفة.

وصلت. الدور الأرضي، جثة هامدة غادرت تابوتاً متحركاً للتوّ، انتظرت البوّاب حتى فرغ من ركعة صلاة الظهر الأخيرة، جلسة التشهّد طالت، يحّك رأسه، يغرس إصبعه في أذنه ويحفر، يسرح في المال والعيال، كيف سيتصرّف مع توبيخ صاحب العمارة اليومي، يتثاءب وكأنه سيبتلع الكون، سلّم، أطوى السجّادة.

-         "أؤمر يا بيه"
-         "شركة آي تِك"
-         "المدخل الجاي يا باشمهندس، عمارة 24 ب، هنا 24 أ، الدور التمنتاشر"، إضافة لزوم الجدعنة: "الدور كله بتاعهم".

ليتني لم أصل!.

لمبات بيضاء تراصت على جانبيّ الممر، في منتصف الأرضية مشّائة، حمراء، مفروشة بالطول، انتهت عند يافطة "أكريليك" عليها رمز الشركة، وأسفله شعارهم، "نبدع، نتطّور، نتفّوق". فتاة عشرينية العمر، بالإستقبال، أشارت عليّ بالإنتظار قليلاً. "قهوي زيادة لو سمحت"، هكذا قالوا لي، لا تطلب عصائر، أو نسكافيه، إمّا الشاي أو القهوة، والقهوة تظهرك أكثر احترافاً. تتفحصني النظرات التي ملأت الصالة، بذلات، وجرافاتات، أغلبها أسود اللون، وبعضها رمادّي، القمصان كلها بيضاء، يحملون سيرتهم الذاتية -كما أحمل- في غلاف، بلاستيك، شفّاف، خفيف. أحتسي القهوة، وأمشطهم بعينيّ سريعاً، ثم أراقب ساعة الحائط، لا يجلس أغلب المتقدّمين بالداخل أكثر من عشر دقائق، يبدو أن المتقدّم الأخير مختلف، مرّت عشرين دقيقة ولم يخرج بعد، أحاول السيطرة على مفاصلي التي لم تمّل من كثرة المقابلات، مازال لديها أملٌ في أن أسمع جملة أخرى غير "شكراً لحضورك يا باشمهندس، فرصة سعيدة جداً، لو حضرتك اتقبلت معانا هانبلّغك في خلال أسبوعين".

جاء دوري، متأخراً، بساعة، قالوا لي أيضاً؛ أنهم في المقابلات، يقيسون مدى تحمّلي بأن يتأخروا عن الميعاد المحدّد بساعة أو ساعتين. أذكر أنني مرة، كنت وحدي، متقدماً، ومع هذا، تركوني بالخارج لثلاث ساعات، حتى غفوت، وبدأت أريّل. أيقظني مدير الموارد البشرية، الذي من المفترض أن يجري معي المقابلة، بدوت سخيفاً جداً، لكنّه فاجأني، مخففاً من وطأ الحرج، "تعالى نصّلي المغرب، وبعديها نبتدي"، لم أكن قد صلّيت الظهر والعصر أصلاً، قلت لا يهمّ، سأصليهما لاحقاً. في المقابلة، اهتم بشاشة الكمبيوتر، كأنه وحده بالغرفة، عقد حاجبيه، تحّركت أصابعه بشكل سريع، ضرب على الزر بقوة، كأنه يلقي بقنبلة، غالباًـ في وجه مستقبل الرسالة (الإيميل)، ثم سألني –وهو يتطلّع للشاشة-:
-         "قولي بقى يا باشمهندس إيه هي نقطة ضعفك؟"
استشعرت جبلاً من السخف استقر فوق صدري، مللت تلك الأكلاشيهات، وبدلاً من أجيب بواحدة من الأكلاشيهات التي حفظتها "مش بشتغل كويس على الماكينتوش" ، "الشغل بيأثر على علاقاتي الإجتماعية"، قلت له:
-         " نقطة ضعف مالهاش علاقة بالشغل"
-         "إيه هي؟"
-         "بحب أنام"
-         فالتفت "أيه؟؟؟"
-         مردّداً ببطأ سينمائي، مططت فيه مدّ الألف: "بحب أنام".


تطلّع إلّي في سكون، ذهول، ثم اقتضاب.ـ

-         "طيب ، عامةً لو حضرتك معانا -إن شاء الله- هانكلمك في خلال أسبوعين".
بعدها، عرفت من صديق لي، يعمل بالشركة، أن الوظيفة أصلاً كانت قد تمّ شغرها قبل تقدّمي، لابن صديق ذلك المدير، لكن موظف الموارد البشرية المغّفل، لم يكن يعلم، استمر في إرسال الإعلانات الإلكترونية، فاصطادني. من المؤّكد أنه كان يرسل له رسالة توبيخ، ربما طرد، أثناء جلوسي معه.

(يُتبَع)



كتبها:

محمد عمر
19 إبريل 2013

الاثنين، أبريل 15، 2013

قصة قصيرة


المكان؛ طاولة، على هيئة مستطيل، في مواجهة قائم حديدي يفصل بين بورصتين. تقف على أربع أقدام من الخشب العجوز، قصيرة إلى الحد الذي أمرر، بصعوبة، ركبتيّ من خلالها. رأسها، يغطّيه مشمّع بلاستيك، سميك، مطبوع عليه علامة ليبتون، وسطحها أملس، فلا يسمح للماوس الوايرلس الخاص بي أن يتحرّك بحرّية. تبّقى لي منها مساحة ضئيلة لقلم، لا أرسم به سوى دوائر متقاطعة، تعكّر صفو ما لدي من ورق أبيض، وفلاشة نت مضربة عن العمل، وهاتف نقّال لا يرغب في التواصل مع الناس، كثيراً.


الزمان؛ الحادية عشر والنصف ظهراً. باقي من الوقت المُباح ساعة، ولا أدري، رغم رغبتي الملّحة، عن أي الحكايات أكتب، أبحث في صندوق كرتون متوسط الحجم، بين كل تلك اللحظات القصيرة في حياتي، أي ومضة أستطيع إطالتها، اللعنة، فجميعها، عن يديّ، ابتعد.
الحالة؛ حيرة، طالت، وحالت إلى ضيق، إغتال أنفاسي، ثم استقر بقاع فنجان زجاجي امتلأ عن آخره بقهوة حليب-سكر زائد. بالمناسبة .. هنا، دون البورصة المقابلة، رغم ضيق الحيّز، وبساطة ما يشربه الحضور، بل وبساطة الحضور أنفسهم، أفضِّل القهوة، لا الشاي، في الممّر الخلفي، بين بنايتين عتيقتين. أتجّرعها بنهمٍ هاديء جداً، وممل جداً، قبل أن تبرد، ثم أترك آخر ربع فيها، يسكن، يمتزج أكثر بالسكّر الزائد، أحيلها إلى سكر زائد-قهوة حليب، وأراجع ما كتبت، أمسح الكلمات الزائدة، أعيد هيكلة الجمل، أرقّي الفواصل، أمنح النقاط أرفع الأوسمة، أنحّي علامات الاستفهام، أحيل جمّل التعجّب إلى التقاعد المبكّر، وأميل أكثر إلى الوصف الذي يأكل لذته، الاختصار، وفي النهاية، أنظر إلى ما كتبت، أهزّ رأسي بالرفض المتشدّد، وأحيله إلى عدم.


العُقدة؛ الدقائق التي تسير بانتظام مرعب، أتأمّل ما تبقى من قهوة، يتأملها، كذلك، القهوجي، شاربه ثقيل، ذقنه خفيفة، محفوفة على هيئة موجة صيف منحسرة. يبدأ الزبائن في غزو محيط الصمت، واكتشاف الطاولات. هناك رجل تقف في مقدمة عينيّه نظارة، بلا إطار، ينمّ صفاءها عن صفاءه، يملأ ما تبّقى من رأسه، شعر أبيض كلون قلبه؛ يتحدث مع زميل له عن رجب المحامي، الذي لم يأتِ في ميعاده، " .. يعني ينفع أستناه ساعة قدّام محكمة الأسرة ؟ .. أيوة ياعم .. رجب .. رجب المحامي .. .. معايا الفلوس أنا .."، ينتفض من مكانه، يبحث عن مخرج، فيباغته صوت القهوجي من الداخل "على فين؟"، فيردد، "الحمّام، الحمّام". على الطاولة المقابلة آخر، يحمل فوق رأسه نظارة شمس، يلبس بلوفر أخضر وقميص بنّي، يقطع حبل أفكاري رسالة نصيّة، لا يهمّ، سأركز، نعم، لقد سبق وكتبت الكثير من القصص الرائعة، أريد المزيد من التركيز، التركيز يقلّ، يتلاشى، فضولي، كالعادة، تستثيره أقل الأشياء، "إعرف الرسول محمد عليه الصلاة والسلام أكثر واستقبل كل يوم صفة أو قصة عنه لمدة أسبوع ببلاش، للاشتراك إبعت رسالة فاضية ل 8154 ب 30 قرش"، اللعنة عليكم جميعاً، على الرسائل، الفضول، الحضور، وعلى رجب المحامي. أنظر إلى الساعة، "الثانية عشر وإثني عشر دقيقة"، ثمة فناة صغيرة تشرب الفراولة، تغازل قط، بل قطة، تحمل في عنقها، كيس بلاستيك بشكل يثير الضحك، يُقِيم أحدهم الظهر بمسجد مجاور، يمرّ رجل عجوز يحمل المناديل، يسبغ عليهم بدعوات الصحة والمال والذرية الصالحة، يتجاهله الأوغاد، يحاسب شابين وفتاتين القهوجي، "اتنين شيشة .. أربعة شاي زردة .. واتنين عنّاب"، يستقل الأربعة سيارة فِيات-هاتش باك رمادية مركونة على الجانب الآخر. القهوجي، يمسح الممر بعينه بحثاً عن راحل ..  ثم يُقيم أحدهم من مسجد آخر.


الحلّ؛ الفتاة تضرب القطة برجلها، والأخيرة، ترمقها بنظرة غاضبة. وبنظرة أقل غضباً، وأكثر حذراً، جلس ظابط، يراقب الحضور، الرجل ذو البلوفر الأخضر يلعب "سناك"، ويرشف الشاي بصوت عالٍ. الظابط لم يعد ظابطاً، بل جاكته الأسود على هيئة بدلة شرطة شتوي فوق قميص به رسم لونه أحمر في المنتصف، لا أتبينها، الظبّاط لا يرتدون اللون الأحمر، فقط يشربونه. أنظر إلى المصّلين داخل القهوة، "تؤمر يا باشا"، أنظر إلى الساعة، الثانية عشر والنصف، "الحساب لو سمحت" .. " أخدت إيه؟" .. "واحد قهوة حليب-سكر زائد" .. "ستة جنيه يا باشا". أحاسب القهوجي، وفوق الحساب، جنيه بقشيش، أتوّجه إلى المصّلين، لا أجد مكاناً في الصفّ، أنتظر الجماعة الثانية، تلمع فكرة قصة قصيرة في رأسي كغواية لا مهرب منها، أعود سريعاً إلى الطاولة، أكتب:

"المكان، طاولة، على هيئة مستطيل، في مواجهة قائم حديدي يفصل بين بورصتين ... " .



محمد عمر
15 إبريل 2013   

الأحد، أبريل 07، 2013

هاديء، بائس، هزيل


هاديء، بائس، هزيل.

يقف أمام فقاعات المياه التي تتشيطن، تتضخم، تتقافز بجنون لثانية أو ثانيتين قبل أن يُحكِم إغلاق النار. تعود المياه إلى هدوئها، ترتفع إلى نصف الكوب، تمتزج معها ثلاثة ملاعق ممتلئة عن آخرها بالسكر الخشن، وفتلة الشاي، يغرقها لقاع الكوب، يثير حوّلها دوّامة، فوهتها واسعة، يعتصرها حتى الموت، يلقي بها من أعلى؛ لتستقر فوق كيس أسود، رقبته، معلّقة بمسمار تسعة، رأسه مرفوع، موجوع من حِمل القمامة التي تكاسل عن إلقاءها في الصباح.

يمشي بمنتصف الممر الضيّق، يمقت جدرانه بشّدة، يمقت الضيق بوجه عام، يسرع خطوتين، يقترب من وهج التلفاز المتراقص. كل شيء بالغرفة على استعداد، فالبرنامج الأسبوعي الساخر هو آخر ما تبّقى لهم جميعاً من لذة. الفقرة الإعلانية –كعادتها- طالت، وحرارة الشاي تحاول الإفلات من قبضة يده، محال، لن يدعها ترحل كأبناءه، مع الأيام زاد عددهم، طموحهم. قوتهم طغت على ضعفه، وضجرهم انتصر على تحكّمه، والزوجة التي توّلت إدارة شئون الحكم عليهم، وعليه، ماتت بداء السكر، ومات معها صوتها العالي، وهمجيتها المشينة. كل الأصوات آلت إلى صمت بارد، حتى هاتفه النقّال أصابه نفس الإعياء، تحّول في زمن الهجر إلى منّبه، منبّه لماذا؟، لا يعلم، فلا عمل، لا أصدقاء، لا أقارب، الحبل الذي ربطه بالناس انفتل مع الأيام. ساعات الحائط نفذت بطارياتها. شقة ذات إيجار قديم ليس بها مرآة أفضل من دار مسنين بها من أشباهه الكثير، وأرخص. الفقرة الإعلانية –أخيراً- انتهت، والبرنامج الأسبوعي الساخر بدأ، أصوات خيبة الأمل صعدت إلى السماء من قهوة أسفل المنزل، لحقتها شتائم للحكومة والنظام، انقطاع الكهرباء عن المنطقة أمسى طقساً اجتماعياً لا بدّ منه، اللعنة، حتى اللذة الوحيدة بها كدر.

لم يجد أمامه من مهرب، عادةً لا تعود الكهرباء قبل ساعتين، يكون عندها البرنامج قد انتهى. توّجه إلى الغرفة المقابلة بلا قارب، بحرٌ من اللون الأسوّد إبتلع الوجود، أمواجه شديدة الكثافة، جدّف بذراع واحدة حتى استقر فوق مرتبة إسفنج غير مضغوطة تعلو سرير نحاس طوله أقصر منه. تحسس فوق الكومودينو، وأمسك بعلبة الفيرباميل. منذ طفولته كان لا يأخذ الأقراص إلا مع كمية كبيرة من المياه، حتماً، لن يتوّجه إلى المطبخ وسط هذا الظلام، تكاسل، عامةً هو لا يرغب في النوم، سينتظر أن تعود الكهرباء، بعدها، يأخذ الدواء، هو يخشى صراخ الدكتور أشرف، وتأنيبه المضجِر.

يغلق عينيه، يفتحها، لا اختلاف، حتى ضوء القمر، أتعبه المسير، فركن ظهره على النافذة، واستراح.

يغلق عينيه، يفتحها، لا اختلاف، حتى الخيالات انمحت، لماذا لم يمت حتى الآن؟، كيف هي حياة التابوت؟ مساحة مهترئة؟، امتدادٌ أقصر منه؟، لا ناس؟، لا نور؟، لا صوت؟، وحده مع كائن أسود، يفرض حضوره على كل شيء؟ ، لم يحن الوقت بعد. فكّر في الملل، ملّ منه، حاول استحضار اليأس، يئس منه، شيء واحد حاول ألا يجالسه، لكنه استقر أمامه؛ سؤالٌ، واحد، ملّح، ماذا لو أن كل ما فعله في حياته –خاصةً- مع أبناءه كان خطئاً في خطأ؟. يغلق عينيه، يفتحها، لا اختلاف، يتأمل النافذة من جديد، يفتح عينيه، يغلقها، يجد اختلافاً هزيلاً؛ يغلقها، يسرح في أشياء كثيرة، تتداخل الأفكار، يتسارع تقاطعها، رفقاؤه الذين سافروا منذ بداية حياتهم إلى السعودية، ال 20 جنيه التي أعطاها له أستاذ شكري مدّرس الرياضيات وعليها توقيعه، مشادة بينه وبين ابنه الأكبر، حلقة من البرنامج الساخر، اللّص الذي أمسكوه في شقة أم ميرفت منذ أسبوع، وسط انقطاع الكهرباء، لكنه، لخفته، استطاع الإفلات منهم.

يتأمل النافذة مرة أخرى، زوجته تكاد تلقي بنفسها من ارتفاع، لكنّ الكثافة تمنعه من الحركة، وأين هي الحركة؟، لا مبالاة، ينتابه فزع من لامبالاته!.

يغلق عينيه، يفتحهما، لا شيء سوى الحضور الأسود، تهدأ أنفاسه، تلتقط أذنه حركة -غير معتادة- بالمطبخ، اللصّ الذي سرق أم ميرفت؟، أم فأر قادم من المنْوَر؟، الصوت يقترب؟، لا، نعم، بثقة، بخفة، يعلو، ثم يخفت. أدخل أنفاسه تحت السرير، كمّم قلبه كي يخفض من ضوضاءه، اتسعت حدقة عينه، طغت على المساحة البيضاء، حتى اختفت، النور غمر الشقة، عكس وجود اللّص الوهمي فوق رأسه، تشنجّت قدماه ، أصوات الفرحة ارتفعت من القهوة أسفل المنزل، والفقرة الإعلانية الثانية بدأت. علبة الفيرباميل سقطت على الأرض، تناثرت الأقراص، تمددت ذراعه على الكومودينو، هاديء، بائس، هزيل. 

ShareThis