صفحات المدوّنة

بحث هذه المدونة الإلكترونية

السبت، مارس 26، 2011

نغم

ليلة انحنى فيها النور المُسَافر. النقط المتناثرة رسمت وردة، فابتسامة. تلوّن الليل بلون وجدانِك، ونغمٌ طار راقصاً من أحد الشرفات النائمة تحت الظلال. سرى الخِدر بكل خلاياي، فهززت رأسي كالمجانين، وتركت الهواء البارد يحملني كورقة دقيقة السُمك. هنا، فوق الرمال، تقلصت المسافات بيننا، وتحررنا –سويّاً- من قوانين الحياة. أصبحنا –كالعُشّاق- قتلى !

محمد عمر
مارس 2011

الخميس، مارس 24، 2011

بحر

إننا –معشر البشر- حالة غريبة يمتزج فيه الخوف بالشغف، والأمل بالاستسلام. أحكي لك يا ولدي يوم أن دفعتني الحياة للذهاب إليه، وقتها كنت أبحث -شارد الذهن- عن حجر واحدٍ مناسب، لكنني اكتشفت أن يدي قد امتلأت بمجموعة متباينة الأحجام والأشكال، قبل أن تحملني الصخور فوق أكتافها وتعود لوقفتها الثابتة في مواجهة ضربات الموج الثائر. ترحل الأخيرة، لتترك على خديها جراحاً بيضاء تذهب جفاءً مع الضربة التالية. ثم إنني كنت أرمي في البحر الحجر تلو الآخر، لتستقر أيام من الماضي الواحدة تلو الأخرى في قاع الذكرى . أعرف أن البحر، لا يشيخ، ولا ينسى، تماماً كالذاكرة، لا تعرف الموت . ظننت أنني انتهيت، لكنني عندما هممت بالرحيل، وقعت عيناي على تلك الفتاة التي ظهر منها رأسها، وشعرها المبتل والمنسدل فوق كتفيها، وهي تجدّف بحرص وصعوبة. أتابعها وهي تحاول أن تتمالك أعصابها رغم التخوّف المُبرّر من أسماك القرش التي قد تهاجمها في أي لحظة، فالأخيرة لا تعبأ بالأحجار، لكنها تلتهم لحوم البشر الطريّة. حاول دفأها أن يدفع البرد الذي تسرّب بداخلها، وأن ينظّم أنفاسها بين الشهيق والزفير، في نفس الوقت الذي تتشبّث فيه بعوّامتها الصغيرة، لتنفذ تعليمات والدها في فن السباحة، الذي وقف على الشاطيء، ينظر، يترقب، ويبادلني النظرات.

محمد عمر
مارس 2011

السبت، نوفمبر 13، 2010

بعيداً

أُطفيء الأباجورة، وأدفن رأسي داخل المِخدّة . أرخي جسدي على السرير ، أرهف سمعي لصوت البَرد المُندفع من مكيّف الهواء ؛ وأقف وحدي أمام بوابة الرحلات المغادرة !ـ

أصوات تأتي من بعيد ، قطار يجري بلا توقف ، وفوضى من الأفكار المتضاربة تملأ النفق الممتد على مرمى البصر . عالمٌ ينشأ فجأة من العدم ، كل شيء كبير الحجم، وأنا هنا صغير ، ضعيف ، ومستسلم .ـ

أفتح عيني وأتأمل الغرفة التي أعرفها أكثر من أي شخص في العالم ، لأكتشف أنّي في أكثر مناطق الكون غموضاً ! الدولاب يتحوّل إلى مُقاتل ضخم من مقاتلي العصور القديمة ويتهيأ ليقسِمني إلى نصفين بحربة كبيرة حادة ، والكرسي والمنضدة ، وكل ما في الغرفة ، أموات خرجوا من قبورهم ، يتقدمون نحوي بأيديهم التي تمتد والملطخة بالسواد لتطبق على رقبتي ، والسرير يضمني بذراعيه المفتولين بقسوة ويضغط على ضلوعي بعنف . أكاد أختنق ، أكاد لا أسمع إلا صدى الأنفاس في بقايا أوردتي التي تنزف في برود .


لا أعلم ماذا يحدث بعد ذلك ، وكيف أنجُ كل مرة من فيلم الرعب هذا ؟ .

ما أذكره أني أفزع عندما تدق السابعة صباحاً كالعادة . أبحث عن الحربة خلف الدولاب فلا أجد شيئاً ، أضرب الكرسي برجلي ، أتلفت حولي ، وأتأمل السرير قليلاً . كل شيء كما هو ، لا يرى لا يسمع لا يتكلم . يرّن المنبّه مرة أخرى، فأصبّ كامل حنقي عليه.


يمر اليوم .. كأي يوم ، وبين الحين والآخر تظهر مجموعة من الوَمضات سريعاً ثم تختفي . صور خيالية لعالم متمرد لا يعترف بقوانيننا ، أسطورة ليلية أنا بطلها الوحيد ، أتغلب فيها على كل شيء ، أشعر معها بالنشوة ، وأُجهِدُ الذاكرة لأسترجع دقيقة واحدة منها كل صباح ، لكن بلا فائدة .. سأطفئ الأباجورة .


ـ ( ثمة شيء يتحرك ! )ـ



محمد عمر

نوفمبر 2010

الجمعة، نوفمبر 05، 2010

فاضي

عندما يأتي منتصف الليل ، ويغلق صاحب المحل باب الدكان ؛ تبدأ مأساة كل ليلة !، -يتساءل : “هل من العدل أن تضعه الأقدار بجوار هؤلاء الحثالة الرمم؟ “. ولمّا يَجهد العقل، وتتفق جميع الأسئلة على نفس الإجابة من اللاشيء؛ يدخُل في دوامة الاكتئاب الملازمة لقرف الوحدة ومرارة العيش. يأتي الصباح، يُفتح الدكان، ويذوب كل شيء في مشاغل العمل وزحمة الزبائن.ـ

أناقته وشياكته أهم ما فيه. تلك الميزة التي أضفت عليه أمام زبائن الدكان مزيداً من الأبهة والعنجهية، هي نفسها أكبر مصدر إزعاج في حياته!، فتلك الأيادي التي تتناوله برفق، وتلك العيون -التي تتطلع جماله وتنبهر بسمته- تتجاهله بعد فترة، وتُنسي نفسها أنها رأته.ـ

أخيراً ظهر من يقدر قيمته، ذلك الرجل ذو الجاكتة البُنيّة والنظارة الشمسية الأنيقة، ليس ثرياً بالقدر الكبير، لكن تبدو عليه النعمة .

ـ(نورّت المحل يا بيه ، أي خدمة).

يأتي الرد بعد برهة: (بكم هذا القلم ؟)


يبلع البائع ريقه ، ثم يقول في أدب مصطنع :ـ

(ذوق حضرتك يا بيه عالي جداً ، إنه أغلى قلم عندي !ـ)

ـ(فعلاً ؟ ، ليس بطّالاً ، لكنه أشيك وأجمل قلم رأيته عندك ..).ـ

يسرح الرجل فيه للحظة ثم يتابع:ـ (سأشتريه .. لكن، هل بإمكاني تجربة خطه أولاً ؟ )ـ

يبتسم البائع لهذه الإستفتاحة ويبحث بيديه الملهوفة في المكتب أمامه عن أي ورقة تصلح للتجربة .. (تفضل يا بيه . جربه على الورقة هذي ) هكذا قال البائع متلهفاً، ليجعل يومي أسوأ يوم في حياتي!ـ

فما حدث أن تجاعيد وجه الرجل إنقلبت فوق بعضها البعض ، وعلا صوته قائلاً في غضب: (ما هذا ؟ ، هل تهزأ بي يا رجل ؟ تبيع لي قلم فاضي ؟؟!). فارتبك البائع وبحثت حروفه عن أي طوق نجاة ، ثم رد في استكانة:ـ

(لم أقصد يا بيه والله ، لم أجربه عندما اشتريته ، منهم لله الغشاشين .. منهم لله الغشاشين!ـ)

فقاطعه الرجل مشوحاً بيده:ـ

(أعطني آخر إذن ..ـ )

بلع البائع ريقه بصعوبة عندما قال : (للأسف يا بيه .. لا يوجد غيره . عامةً ليس منه فائدة ، سأرميه وعوضي على الله . أنا آسف يا بيه). نظر له الرجل نظرة متعالية، ورماني على طاولة المكتب من ارتفاع عالٍ فكاد أن ينكسر ظهري قبل أن يرحل ذلك الوغد !.ـ


النظرات الشامتة والضحكات المكتومة التي ملأت رفوف المكتبة تلك الليلة من هؤلاء الحمقى لا أستطيع تحملها بعد أن عرفوا أنّي فاضي. فالمسطرة الطويلة الرخيمة تشير إليّ من بعيد ولم تتوقف عن الضحك طيلة الليل . وبعض الأقلام الرصاص جلست سوياً تطلق عليّ مجموعة من النكات وتضحك بصوت مجلجل. حتى الكراسة العجوزة التي ملأ صدرها التراب كانت تكح ، وتقول: (ألم أقل لكم ، انه أقل مما يوحي به مظهره الخادع) ، ثم تكح.ـ



ـ ( ما هذه اللعنة التي حلّت بي ؟)ـ

تمتم بنبرة حزينة، ناقمة، ومكتومة: ـ

ـ(لا فائدة منكم ، سأنتحر ! )ـ

محمد عمر
نوفمبر 2010

الجمعة، أكتوبر 22، 2010

مسجد الألف مئذنة


لم تمنعهُ لحيتُه الخفيفة التي أضفتْ عليه وَقاراً يَتناغم مع عقده الثالث من العمر، ومِشيته الهادئة وهيئته الجادة من أن يضع شنطة العمل بجانب الرصيف المُواجِه لمنزله، ويشارك مجموعة من الشباب في لعب الكُرة لدقائق معدودة. عَلتْ أصوات الأذان القادمة من كل الاتجاهات، فتوقف عن الجَري، وشُكر الشباب بعدما لفَظ أنفاسَه، ثم دَعَاهُم للصلاةِ في المسجد المجاور، وشَعر بالفرحة بعدما أقنَع عدداً كبيراً منهُم. ـ

كان يقول دائماً : “الشبابُ فيهم الخيرُ كُلُه”، غير أنه توقّف فجأة عند باب المسجد، عندما تثبّت عيناه على المشهد في الداخل، فهناك ألف جماعة بألف إمام.ـ



محمد عمر
أكتوبر 2010

الأربعاء، أكتوبر 13، 2010

نزيف

في الطريق المبتعد عن القرية ، توالت لكماتها على صدري الواحدة بعد الأخرى، تحملّتُ الاولى والثانية. في الثالثة انكسر ضلعان، وأصبت بنزيف داخلي حاد، تراجعتُ على إثره خطوات. ـ قالت -وهي مستمرة في السير- : (هل ترغب في العودة ؟). أميلُ على الأرض، وأحاول اللحاق بأنفاسي. يمتقع وجهي بالأزرق الشاحب، ويخيّل إليّ أنني أتحدث. ترحل عنّي ساخطة، وأعلق في الخط البنفسجيّ الفاصل بين الموت والحياة.ـ


محمد عمر
أكتوبر 2010

الاثنين، مايو 17، 2010

حكاية عربي

كانت شقتي تقع بين شقة “عربي” الذي انفصل عن زوجته مؤخراً و”كولومبوس” الجار الجديد الغامض الذي لا يعرف أحد من سكان العمارة ماذا يعمل بالظبط ؟ ، من أين أتى ؟ ، وماهي حكايته؟!

في تمام التاسعة مساءاً كان “كولومبوس” يطرق على باب “عربي” ويقدم له “وجبة عشاء” متعللاً بأن النبي صلى الله عليه وسلم قد أوصى على سابع جار .فـ البداية بدا الإحراج واضحاً على “عربي”. كان “عربي” يحاول أن يرُد “العزومة” بالمثل .. لكنه لم يستمر نظراً لضغط عمله وضيق الوقت.

إعتاد “عربي” الأمر .. العشاء لذيذ جداً ، وكنت أسمع زفير لعابه الساخن بجوار الباب قبل التاسعة مساءاً بعشرة دقائق.

إشتكى له “كولومبوس” ذات يوم من الفتى منعدم الضمير الذي لا يحسن غسيل سيارته مما يضطره أن ينزل بنفسه ويغسلها ويتأخر على تجهيز العشاء له ، وهو ما يضايقه بشدة ويشعره بتقصيره في القيام بواجب الجيرة تجاه “عربي”.

هكذا تطورت العلاقة بينهما وإستطاع “كولومبوس” أن يقنع جاره أخيراً بالتوقف عن العمل. “عربي” الآن يغسل سيارة “كولومبوس” كل ليلة ، يشتري له حاجياته اليومية من السوق ويحضر له أولاده من المدرسة. حتى في الأجازة .. كان يذهب بأولاد جاره للتنزه ، وينسى موعده الإسبوعي مع أولاده أحياناً. وعندما سألته مرةً لماذا يفعل كل هذا قال:
“قال صلى الله عليه وسلم: ومازال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أني سأورثه “

محمد عمر
مايو 2010

ShareThis